المغرب والجزائر شقيقان ولكن…


ليس نادرا أن تقع عيناك على موضوع يتناول «قصّة» الجزائر والمغرب التاريخية والسياسية والثقافية الاجتماعية، وما يجمعهما من أرض، ودين وحتى المذهب، وأصول أمازيغية وعربية مشتركة، تصب أحيانا في خانة لمّ شمل هذا الوطن الواحد عِرقا ووجدانا، والمنشطر سياسيا.وفي أحايين كثيرة لا تزيد هذه الموضوعات إلاّ سعار هذا اللهيب المشتعل أصلا بمشعل السياسة.
في أكثر من مرّة وبينما يشتدّ بك الحنين لتذكّر تراثنا المغاربي الخالد، تدخل على اليوتيوب لتهنأ دقائق معدودة بنغم أندلسي عريق، حوزي أو ملوف، فتجد من التعليقات أسفل الفيديو ما يرتعش له البدن، سبّ وشتم بأقذع الأوصاف يتبادله الطرفان الجزائري والمغربي، لدرجة تجعلك تتوقف عن متابعة القراءة،خشية أن يغمى عليك. ويتوسّع «القتال» بين» جيشين إلكترونيين» ليطال ثقافة الشعبين من عمران وملبس ومأكل. والنزاع على أشدّه حول أيّ شيء وكل شيء؟ حتى يطال حقّ الوجود على الأرض؟ فأصبح كلّ ما هو مغربي جزائريا بالأصل. والعكس صحيح أيضا، كل ما يخص الجزائري مغربي بالأصل تمت سرقته؟ ويتم إثبات ذلك بالأدلة والبراهين والصور ومقاطع الفيديو و….. وكأنّنا أمام محاكمة تاريخية.
مَن، مِن أهل المشرق مثلا،يفرّق بين بيت جزائري وبيت مغربي؟ من يفرق بين لهجة مغربية ولهجة جزائرية؟ من يفرق بين تصميم الرياض داخل بيت جزائري وبيت مغربي؟ من يفرق بين الكسكسي أو «الطعام « المغربي والجزائري؟ من يفرّق بين النغم أو المقام الغرناطي الجزائري والأندلسي المغربي؟ من يفرق بين القشابية الجزائرية والمغربية ؟ من ومن ومن….؟
كنّا صغارا نستمع في بيوتنا إلى فنّانين مغاربة من قامات عبدالوهاب الدوكالي وعبد الهادي بلخياط ونعيمة سميح….. التي نحفظ بعضها إلى اليوم. ولم أكن أفرّق في حينها بين مغربي وجزائري لتشابه اللكنة واللهجة والطابع، بل تطابقها في مفردات عديدة لا حصر لها. كم أعرف من الأشخاص معرفة شخصية هم مغاربة قطنوا الجزائر منذ ما قبل الاستقلال. أم أعز صديقاتي مغربية أبا عن جد. ولو ذكرت أقاربي والذين أعرفهم من مغاربة في مدينتنا فقط، وأقاربي الذين هم هناك في المغرب لما أكملت حديثي.
لكن… هل شفع هذا القليل الذي ذكرته من كثير، تاريخيا وسياسيا لا يتّسع المقال لذكره،لأن يستحي هؤلاء ولو قليلا ممّا يتفوّهون به من سِباب؟ والله لو قرأتموه، لنفضّت مجالسكم.
لمَ كل هذا؟ أيستحي اليوتيوب ويحذف التعليقات جميعها، لفظاعتها ومحاكاتها لتسعير أوار حرب لا تبقي ولا تذر، ولا يستحي هؤلاء من أنفسهم ومن أجدادنا معا وخبزنا وملحنا وقبل هذا وذاك من خالقنا؟
أيعقل أن تُحدث السياسة كلّ هذا الشرخ بيننا دون أن ينتبه لذلك أحد أو يرف له جفن؟
اصبحنا فُرجة رخيصة لكل عابر يوتيوب. لم تسلم الأرض ولم يسلم العرض، فجزائر يوغورتا وماسينيسا، باتت كذبة صنعها الفرنسيون في غفلة من الزمان؟ «يا فرحة إسرائيل». والمغرب الشريف كرسيّ الإمام مالك، بات أكبر ماخور في العالم؟
ألا يكفينا مشهد الجزائريين والمغاربة كيف يتسللون خلسة عبر الحدود لزيارة أهلهم وأقاربهم، وكيف قطّعت الحدود أواصر العوائل والأسر؟ مشهد العار والألم هذا، يعتصر له قلب كل حر هنا وهناك. السياسة، ليس لنا يد فيها. لكن هل العمل والنشاط الإعلامي المسؤول، الذي يتحمّل مسؤوليته كل المثقّفين في الجزائر والمغرب والذي يفرضه الدين والدم والضمير، ألا يمكننا القيام به؟
لذلك من هذا المنبر الحر عبر قدسنا الغرّاء،هذه دعوة أوجهها لكل مثقفي البلدين ولكل عامة المجتمع المغربي والجزائري، بأن نواجه كل الدخلاء والمارقين ممن يسيئون لتاريخناا وثقافتنا المشتركة عبر كل المنصات ومواقع التواصل الاجتماعي، كل من موقعه وحسب ميدانه،لوقف هذا الإسفاف والجلد والقتل بلا دم.
لنهدي بعضنا البعض حبا وسلاما وأمانا، لنعد كما كان اسلافنا،بيتا واحدا وعرضا واحدا وأفقا واحدا وأملا واحدا. يكفي أمّتنا تشرذما وتقطيعا. فقد باتت البلدان العربية «الآمنة» معدودة، فهل نزيد هذا الجسد الممزق تقطيعا؟ الكلمة لها وقعها، دعونا لا نستهين بها، ولنبدأ في مرحلة لمّ الشمل المغاربي، ولنطرد كل كلمة أو صوت دخيل يدعو لهدم جسور الود والقربى.

::::::::::::

منى مقراني

كاتبة صحافية من الجزائر

عن القدس


Like it? Share with your friends!

1
0
1, 0 points
What's Your Reaction?
Love Love
0
Love
Happy Happy
0
Happy
LOL LOL
0
LOL
Cute Cute
0
Cute
Grrr Grrr
0
Grrr
OMG OMG
0
OMG
Geeky Geeky
1
Geeky
Angry Angry
0
Angry
Yikes Yikes
0
Yikes

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المغرب والجزائر شقيقان ولكن…

log in

reset password

Back to
log in