, ,

فضيحة كبرى : تقرير يكشف أن جل غذاء المغاربة «فاسد»

بعيدا عن خطاب الأرقام المضخمة حول إنجازات مخطط «المغرب الأخضر»، وتقارير «سلسلة الإنتاج» وتحقيق «الاكتفاء الذاتي» والثورات التي يبشر بها وزير الفلاحة منذ أكثر من عقد من الزمن؛ نضع بين أيدي المغاربة اليوم، وثيقة هي الأولى من نوعها، أنجزتها أياد خبرت التدقيق والافتحاص، وأعين مهمتها إخضاع السياسات العمومية لاختبار الفعالية والمقارنة بالنصوص القانونية والمعايير الدولية.

بين أيدينا اليوم، وثيقة من أكثر من 200 صفحة، أنجزها قضاة وخبراء تابعون للمجلس الأعلى للحسابات في الفترة ما بين ماي ودجنبر 2017، وأصبحت جاهزة في شهر مارس الماضي، أي شهرا واحدا قبل تفجر حملة المقاطعة الشعبية التي جعلت وزير الفلاحة ومالك “أكوا”، عزيز أخنوش، في قلب الدوامة. وبعدما كان ملخص لهذه المهمة قد نشر متضمنا بعض الخلاصات العامة، حصلت “أخبار اليوم” على النص الكامل للتقرير، وتعرض أهم مضامينه.
معدو هذه الوثيقة يشرحون في مقدمتها، أن مهمتهم جاءت في سياق اعتماد المغرب منذ العام 2009، لنظام جديد في مجال الأمن والمراقبة الصحية للأغذية، وهو ما ترجم إلى إحداث المكتب لوطني للسلامة الصحية للمواد الغذائية. وأوضحت الوثيقة أن إحداث هذا المكتب حتمته عوامل من بينها تغيرات المحيط الدولي والإقليمي، ثم تطور العادات الاستهلاكية للمغاربة. فمن جهة، ظهرت بعض الأمراض الخطيرة التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان، مثل جنون البقر وانفلونزا الطيور… ومن جهة أخرى، تزايدت أخطار حدوث تسممات جماعية بفعل المبيدات والمواد الكيماوية التي تستعمل في إنتاج الأغذية. قضاة المجلس الأعلى للحسابات، يقولون إن إحداث هذه المؤسسة جاء في إطار مخطط المغرب الأخضر، باعتبارها آلية أساسية في تفعيل هذه السياسة العمومية في المجال الفلاحي. “إحداث هذه المؤسسة كانت له أهداف من بينها إعادة الثقة للمستهلك في نظام المراقبة والتفتيش الخاص بالمواد الغذائية، وضمان الأمن الصحي للأغذية على طول السلسلة الغذائية، والرفع من تنافسية المنتجات الوطنية…”. وحرص معدو التقرير على التنبيه إلى أن إحداث المكتب كان نتيجة دمج مديريتين تابعتين لوزارة الفلاحة.
يغوص قضاة المجلس الأعلى للحسابات عميقا في التقييم القانوني والتقني لمكتب السلامة الصحية للمنتجات الغذائية، لكنه يكشف بين ثنايا هذا التقييم، خلاصات مثيرة وخطيرة، تهم وضعية منتجات أساسية وحيوية تكاد لا تخلو منها أي من موائد الأسر المغربية. الحليب ومشتقاته، اللحوم الحمراء والبيضاء، الخضر والفواكه، ثم الشاي. مواد من بين أخرى، تفيد ملاحظات وخلاصات التقرير أن المغاربة يستهلكونها دون خضوعها للحد الأدنى من المراقبة والضمانات الصحية الضرورية قبل الاستهلاك. بل إن قسما كبيرا من هذه المنتجات، يصل إلى بطون المغاربة، بينما تعلم مصالح وزارة الفلاحة أنها غير صحية أو غير مراقبة، والمبرر هو ضعف الإمكانيات وحاجة السوق الوطنية إلى كميات كبيرة من تلك المواد. “مهمة المجلس الأعلى للحسابات، لاحظت أن المكتب حصل على عدد كبير جدا من الصلاحيات والاختصاصات، دون أن يتوفر على الوسائل البشرية والمادية التي تسمح بمزاولتها في شروط ملائمة”، يقول التقرير.

قصور في الرصد ومراقبة الأوبئة
يستند نظام مراقبة الأمراض الخاصة بالقطيع المغربي من المواشي المقدر بنحو ثلاثين مليون رأس، على نظام المراقبة الصحية للقطيع، خصوصا منها الأمراض ذات الأولوية، وفي مقدمتها طاعون المجترات الصغيرة، وطاعون الخيل. ويتم هذا الرصد من خلال الشبكة الوطنية للرصد الوبائي للأمراض الحيوانية (RENESMA) لمراقبة انتشار الأمراض الحيوانية في كل إقليم، وأيضا الكشف المبكر لأي مرض جديد أو غريب حتى يتم التدخل بسرعة وكفاءة.
ويُجرى الرصد الوبائي بالأساس في الأسواق والمزارع والمجازر والمراكز الحدودية، وفي جميع مراكز جمع الحيوانات، حيث يتم تنفيذها من قبل الموظفين الفنيين للخدمات البيطرية، تحت إشراف الأطباء البيطريين. إلا أن هذا النظام غير كاف، لأن الوزارة تعترضها صعوبات في توقع المخاطر، لأنها لا تتوفر على جهاز جمع المعلومات لضمان استجابة سريعة وفعالة للتنبيه (الإنذار المبكر، رد الفعل المبكر). يتطلب هذا الرصد الفعال موارد كبيرة لتمويل تدريب المديرين التنفيذيين، وتطوير المختبرات المرجعية، وشراء معدات التشخيص.
وكشف تقرير مجلس جطو أن السلطات المغربية ممثلة في وزارة الفلاحة، مازالت لم تتخذ تدابير وقائية لمواجهة مرض “حمى الوادي المتصدع”، وهو مرض فيروسي حاد يمكن أن يؤثر تأثيرا خطيرا على الأنواع المختلفة من الحيوانات الأليفة مثل الإبل والبقر والماعز والأغنام، وخطر تسلل هذا المرض مرتفع جدا. هذا الفيروس يمكن أن يسبب انتقال العدوى بين الإنسان، أيضا، عن طريق لدغة البعوض أو من خلال ملامسة الدم أو السوائل الأخرى أو الأنسجة أو عند ذبح، أو ترييش وقطع الحيوانات المصابة أو عن طريق تناول
اللحوم أو الحليب المطبوخ أو الخام من الحيوانات المصابة. المجلس الأعلى للحسابات، أكد أن مراقبة الأوبئة تتم بشكل سلبي في مختلف مناطق التفتيش على الحدود، وفي نقاط تركيز الحيوانات، من الضيعات وأسواق المواشي، ونقاط التجمع ومنابع المياه وفي المجازر.
افتحاص قضاة جطو، أثبت أن فعالية نظام المراقبة الوبائية غالبا ما يعتمد على العلاقات الشخصية، فعادة ما يميل الأطباء البيطريون الخاصون إلى عدم الإبلاغ عن وجود خلايا مرضية صغيرة منتشرة، وذلك بسبب الإجراءات المرهقة الموضوعة في نظام التفتيش. في حالة الاشتباه أو الحالة المؤكدة، تلزم الأطباء البيطريين الخاصين بملء استمارة من ثلاث صفحات وتشير إلى سلسلة من المعلومات.

غياب تقييم علمي للمخاطر الصحية
نظام التفتيش الصحي للأغذية في المغرب، حسب المعطيات التي تضمنها التقرير، مبني فقط على نظام إدارة المخاطر، وليس على دمج المعطيات العلمية والبيانات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرصد والرقابة والتفتيش للمنتجات والأنشطة الزراعية الغذائية. إلا أن الخطير، بحسب تقرير جطو، هو أن تقييم المخاطر الصحية والنباتية، أُهمل تماما من قبل ONSSA، حتى تكون إدارة المخاطر الصحية متسقة وفعالة، وتقوم بتقييم المعلومات المتعلقة بالأخطار والمخاطر التي تحذق بالثروة الحيوانية للمملكة، وحتى بالمواطنين، لأن اتفاقيات الصحة والصحة النباتية التي انضم إليها المغرب في إطار منظمة التجارة العالمية، تفرض عليه التطبيق المنهجي لمبادئ التقويم العلمي للمخاطر في لائحة محددة، من شأن تحديدها على أساس نوعي، يرتبط باستهلاك مواد غذائية محددة، ويحدد بدقة الآثار الضارة التي قد تسببها للمستهلكين.
وحسب معطيات التقرير، فإن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، لا يستطيع في ظل الظروف الحالية، إجراء تقييم للمخاطر وفقا للمعايير الدولية، لأنه لا تتوفر لديه الوسائل اللازمة لتحديد ذلك، ثم لأنه لا يتوفر على عدد كاف من الموارد البشرية المؤهلة، والمختبرات الفعالة والمجهزة تجهيزا جيدا.
في توصياته، ألزم التقرير وزارة الفلاحة بتفعيل مجال تقييم المخاطر في مجال الصحة الحيوانية والنباتية، وكذلك سلامة الأغذية، عن طريق ضمان السلامة التي ينبغي توفرها في الحدود القصوى في بقايا مبيدات الآفات والمنتجات الطبية البيطرية والمضافات الغذائية. ومن ثمة، فإن إنشاء مثل هذه اللجنة ضروري لإدارة ONSSA للحصول على مشورة الخبراء، وتنظيم العديد من عمليات تبادل الخبرات ووجهات النظر لضمان أن تستند القرارات على أفضل المعلومات العلمية والتقنية المتاحة، وفي مقدمتها إدارة الأزمات الصحية والصحية النباتية، وتحديد كيفية التعامل مع التهديدات، مثل الأمراض الحيوانية والنباتية، والملوثات، والكائنات المعدلة وراثيًا.

ONSSA غير مستقلة
لا يتمتع المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، في شكله الحالي، بالاستقلال الحقيقي منذ تأسيسه، فهو يقع تحت الوصاية السياسية لأخنوش منذ إحدى عشر سنة، في الوقت الذي يحث فيه المجلس الأعلى للحسابات على ضمان استقلاليته بشكل كامل.
التقرير كشف بلغة الأرقام الوضعية الصعبة لهذا المكتب، مؤكدا أن حوالي 562 من موظفيه تقاعدوا ما بين 2013 و2017، من بينهم 336 تقنيا، وتوقع المجلس الأعلى للحسابات خصاصا في أطره سيصل بحلول سنة 2020 إلى 2435 مستخدما، وسيحتاج المكتب إلى أزيد من 1000 تقني و440 طبيبا بيطريا. ولتنفيذ مهامه بفعالية لحماية المستهلك من أي مخاطر محتملة يمكن أن تؤثر على صحته، فإن هذا المرفق العمومي بات محتاجا إلى موارد بشرية ماهرة وبأعداد كافية.
وحسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات، فإن مفتشي مكتب خدمات الرقابة الداخلية، يكرسون معظم عملهم لمعالجة ملفات الموافقة والتراخيص الصحية التي تتطلب الكثير من الوقت، لأنه بالإضافة إلى دراسة الملف الفعلي، كثيراً ما يضطر أطر المكتب من الأطباء البيطريين، إلى القيام بعدة زيارات ميدانية لضمان استيفاء جميع الشروط المطلوبة. وهذا لا يسمح للمفتشين بتحرير أنفسهم للقيام بزيارات صحية للمتابعة، الأمر الذي لا يشجع المشغلين على الحفاظ على مستواهم.

مطابخ خارج السيطرة 
في الوقت الذي ينص فيه المرسوم رقم 2-10-473 الصادر في شتنبر 2011، على ضرورة مراقبة المطابخ والمطاعم المركزية الموجودة داخل المؤسسات العمومية والخاضعة لنظام التموين، فإنه لم تحصل سوى 10 مؤسسات “مطبخ مركزي” على موافقة صحية من المكتب. ولاتزال المطابخ المركزية في المستشفيات، والمطاعم الجامعية، والمقاصف المدرسية، وكذلك، مطاعم مراكز السجون، مستبعدة بشكل غير مبرر من نطاق المادة 5 من القانون 28-07، على الرغم من أن هذه المؤسسات توزع وجبات الطعام على عدد كبير جدا من المستهلكين. كما لوحظ في العديد من تقارير التقييم الصحي أن حالات الإخفاق الرئيسة في الوفاء بالتزامات الصحة قد لاحظها قضاة جطو. ومع ذلك، بالنسبة إلى معظم الحالات، يشير هذا الأخير ببساطة إلى المؤسسات المعنية، ووجود أوجه القصور هذا يلزم وزارة الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات، بإعداد وإبلاغ جدول زمني للامتثال لمجمل العمليات التي تستهدف إجراء هذا التقييم الصحي.

أرشيف مهدد
على مستوى البنية التحتية، يعاني المكتب الوطني للسلامة الصحية من افتقاره إلى أرشفة الوثائق، على الرغم من وجوده مركزيا داخل وزارة الفلاحة. فبالنسبة إلى المديريات والأقسام والخدمات الأخرى على المستوى المركزي والإقليمي، لا يتم اتخاذ تدابير خاصة لأرشفة ملفاتهم. فهي تبذل قصارى جهدها للعثور على مساحة لتخزين أرشيفاتها. كما لا يوجد لدى المكتب نظام إلكتروني لإدارة الوثائق من أجل رقمنة المستندات وإدارة دورة حياتها من الإنشاء إلى الأرشفة أو التخلص.

ضعف تلقي الشكايات 
أنشأ المكتب الوطني للسلامة الصحية، في عام 2012 مركزا للتواصل لتلقي الشكاوى والطلبات للتزود من الشركاء والمواطنين بالمعلومات والإرشادات في حالة الأزمات الصحية. هذا المركز لا يتوفر إلا على اثنين من الموظفين، واحد منهما مكلف باستقبال المكالمات، والثاني، مسؤول عن استقبال وتوجيه الزوار.
وتبين لقضاة جطو، أن نشاط المركز يقتصر على تلقي وتسجيل الشكاوى، ولم يشهد تطورا في رعاية احتياجات المستهلكين، فهو لايزال متخلفا في إضفاء الطابع المهني على أساليب عمله والأدوات، وعدم وجود مؤشرات نوعية الأداء. وبالإضافة إلى ذلك، لاحظ قضاة جطو غياب الحلول التكنولوجية لإدارة أنشطة مركز الاتصال وتشمل تزويده بنظام معلومات متخصص. فالموارد المخصصة لوظيفة “الاتصال” غير كافية، وبالكاد لا تتعدى 1 في المائة من ميزانية الاستثمار، وقد انخفضت المبالغ المخصصة منذ عام 2013.

خارج التغطية في الأزمات
في أوقات الأزمات الصحية، يعد تدخل ONSSA حاسماً وضرورياً لتنوير الرأي العام حول حدث معين، وبالتالي، طمأنة المستهلك. لأن رد فعل السلطة الصحية هو أمر حاسم، نظرا للتأثيرات الاقتصادية والصحية العامة لهذه الأزمات، والتي يمكن أن تكون كارثية. وفي هذا السياق، لم تقم الوزارة بإنشاء جهاز مخصص لإدارة حاﻻت اﻷزمات، التي أصبحت أكثر تكرارا. ولاحظ قضاة جطو عدم وجود منظومة داخلية وخلية لإدارة الأزمات تكون مجهزة بما فيه الكفاية.

اختلالات طلبات العروض 
يكشف تقرير جطو أن العديد من الصفقات التي تمت داخل المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، منذ سنة 2015 تم منحها لمقاولة واحدة، بعد ما رفضت جميع طلبات العروض الأخرى لأسباب تتعلق بالملف التقني والمالي. وهو الإقصاء الذي يتم في بعض الأحيان لأسباب واهية أو غير محددة قانونا وتتناقض مع قواعد المنافسة.
ويتحدث التقرير، عن رفض لجنة طلبات العروض رقم 02/2015 عرض شركة CIERAP SYSTEMS، بسبب انتهاء صلاحية الشهادة الضريبية، في حين أن الوثيقة المذكورة هي جزء من الملف الإداري للشركة المذكورة تم التحقق منها بالفعل وتم الاحتفاظ بها على مستوى الجلسة الافتتاحية لفتح الأظرفة. هذا، واعترفت اللجنة المشرفة على طلبات العروض بأن العرض المالي لشركة CIERAP SYSTEMS هو أقل عرض، وتم الانتهاء من مرحلة التحقق من الملف الإداري. وهو ما أدى إلى الابقاء على شركة GENMED، التي مقرها في الدار البيضاء منافسا وحيدا، حيث تم قبول عرضها في مرحلة تقييم عرضها المالي دون الحاجة إلى مقارنة عرضها المالي مع عروض المنافسين الآخرين. وهي الممارسات التي تكررت، وكانت تُبقِي دائما على منافس واحد في مرحلة مقارنة العروض المالية عند عملية فتح الأظرفة. لا تحتوي محاضر طلبات العروض على استمارات الحضور مختومة بالوقت للإثبات الفعلي لعقد هذه الدورات التي تقودها شركة MARCOFOR EL HADDAD. ويكشف تقرير جطو، أيضا، أن عروض المنافسين رُفضت لأسباب لا أساس لها من الصحة، ما أسفر عن استحواذ منافس واحد فقط، في مرحلة تقييم العرض المالي. وتم منح العرض رقم 46/2015 لشركة BELGOMA بعد رفض منافس طلب مقابلا أقل، بمبرر انتهاء صلاحية شهادته الضريبية، في حين أن الملف الإداري والفني لهذا المنافس قد تمت استشارته بالفعل وقبلت من اللجان الافتتاحية

اليوم 24

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ورطة أخنوش.. فواكه وخضر المغاربة خارج المراقبة الخاصة بالمبيدات

بالصور شوفو شنو دارت مريم بنصالح بعد شهر ونصف من “المقاطعة”